ثمة مفهوم خاطئ يسود أحياناً، يصور لنا أن "الانفتاح على الحياة" يعني بالضرورة الصخب، والذوبان التام في الآخرين، وإزالة كل الحواجز والأسوار. وفي المقابل، يُظن أن "التحفظ" يعني الانغلاق، العبوس، واعتزال مباهج الدنيا.
ولكن، ألا توجد مساحة خضراء وارفة بين هذا وذاك؟
نعم، يمكنك أن تكون منفتحاً بشغف، ومتحفظاً بوقار في آن واحد.
أن تحب الحياة، وتسعى في مناكبها، وتتذوق جماليات الفنون، وتسافر، وتضحك ملء شدقيك، لكنك في الوقت ذاته تملك "مصفاة" دقيقة على باب روحك.
هذا النوع من الانفتاح هو "انفتاح النضج".
هو أن تخالط الناس وتُحسن معاشرتهم، لكنك تنتقي بذكاء من تُدخله إلى دائرتك الخاصة المقربة. تمنح الود للجميع، لكنك تمنح "المفاتيح" لقلة نادرة أثبتت الأيام جدارتها.
أن تكون منفتحاً بشكل متحفظ يعني:
أن تواكب العصر وتستخدم أدواته، لكن دون أن تسمح لها بطمس هويتك أو قيمك الراسخة. أن تكون مرناً كالغصن مع الرياح، لكن جذورك ضاربة في عمق الأرض لا تتزحزح.
إنها مهارة "رسم الحدود الأنيقة".
تلك الحدود التي لا تجرح الآخرين، لكنها تخبرهم بلطف: "هنا مساحتي، هنا قناعاتي، وهنا خطوطي التي لا أسمح بتجاوزها".
الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش بالطول والعرض، ولكن ليس علينا أن نكون "كتاباً مفتوحاً" يقرؤه كل عابر سبيل. الجمال يكمن أحياناً في الغموض، وفي الاحتفاظ بجزء ثمين من ذواتنا لأنفسنا ولخالقنا.
همسة:
استمتع بقهوتك في مكان عام، انطلق في طموحاتك المهنية، كوّن صداقات جديدة، ولكن ابقِ دائماً "ستاراً رقيقاً" من الحكمة يحميك من تطفل الفضوليين ومن تقلبات البشر.
الخلاصة:
عش بقلب طفل يدهشه كل جديد، وبعقل حكيم يمحص كل قديم. افتح نوافذك لتدخل الشمس ويجدد الهواء روحك، لكن لا تنسَ أن تُبقي باب بيتك الحصين مغلقاً، لا يفتحه إلا من يحمل "كلمة السر".
تعليقات