عدتُ إلى المنزل. المفتاح يدور في القفل بالصوت المألوف ذاته، والباب يُفتح على الروتين المقدس الذي اعتدتُ عليه. هنا، كل شيء في مكانه؛ الصور المعلقة على الجدار تبتسم ببرود، ورائحة العشاء تفوح بالاستقرار، والهدوء يعمّ المكان. ظاهرياً، أنا هنا، بكامل هيئتي، وبكامل دوري المرسوم في هذه المسرحية العائلية. لكن داخلياً؟ أنا ما زلتُ هناك.. عالقاً في تلك المسافة المحرمة.
في الخيانة، أصعب ما تواجهه ليس الكذب المنطوق، بل الصدق المكتوم.
أجلسُ وسط هذا الدفء المشروع، وبينما تُدار الأحاديث اليومية حولي، أشعر بغربة قاسية. يُوجّه لي الكلام، فأومئ برأسي موافقاً، أبتسم في المواضع التي تتطلب ابتسامة، وأبدي اهتماماً مفتعلاً بتفاصيل لا تعنيني. جسدي حاضرٌ يمارس طقوس الوفاء بآلية مرعبة، بينما روحي تهيم في وادٍ آخر، حيث "المجهول" الذي سلبني مني.
الطرف الآخر.. ذلك الطيف:
لم يُذكر اسمٌ، ولم تُحدد ملامح. الأمر أشبه بالجاذبية؛ قوة خفية تُسحب إليها الروح دون مقاومة. يُكتب لي أن أعيش حياتين: حياة تحت الأضواء حيث كل شيء يبدو مثالياً، وحياة في الظل حيث يُسرق الوقت، ويُختلس الشعور، ويُبنى عالم كامل من الوهم.
في تلك الزاوية المعتمة، يُشعر بالقبول المطلق دون شروط، ويُسمع للكلام الذي لا يُقال عادة. هناك، يُمارس الهروب من المسؤولية، ويُصبح الخطأ لذيذاً بشكل مرعب.
أنظرُ في المرآة لأغسل وجهي من غبار اليوم، فأتساءل: أيُّ الوجوه هو وجهي الحقيقي؟
هل هو ذلك الذي كان يضحك بصدق منذ ساعات في رفقة "الخطيئة"؟ أم هو هذا الوجه الشاحب الذي يستعد للنوم بجوار "الواجب"؟
الكارثة الحقيقية ليست في الفعل ذاته، بل في الاعتياد عليه. أن يُصبح الانقسام جزءاً من تكوينك. أن يُحب "المجهول" ويُخشى فقدانه، وفي الوقت ذاته، يُحترم "المعلوم" ويُخشى جرحه.
أضع رأسي على الوسادة، ويحاصرني الضجيج. ليس ضجيج الأصوات، بل ضجيج الضمير الذي يصرخ بصمت. يُعتقد أن الخائن ينام قرير العين بمتعته، ولا يُدرك أحد أن وسادته محشوة بالأشواك. أشواك الخوف من الانكشاف، وأشواك الحنين لما لا يُملك، وأشواك الشفقة على من ينام بجانبه آمناً، لا يدري أن السقف الذي يحتمي به.. قد نخره السوس من الداخل.
اعتراف الليلة:
لقد أتقنتُ الدور ببراعة تجعلني أحتقر نفسي. فالبارع في الكذب ليس من يخدع الآخرين، بل من ينجح في خداع نفسه ولو لساعات، موهماً إياها بأن ما يفعله هو مجرد "بحث عن الحياة".. بينما هو في الحقيقة.. يحفر قبره بيده.
تعليقات