هل نظرت يوماً إلى صورة قديمة لك، أو قرأت محادثة سابقة تعود لسنوات مضت، وشعرت بالدهشة؟ وكأنك تنظر إلى شخص غريب تعرف ملامحه لكنك لا تعرف روحه؟
نحن نتغير.. ليس لأننا نريد ذلك، بل لأن الحياة تفرض شروطها القاسية لتصقلنا.
في السابق، كنا نخوض المعارك لأجل كل شيء، نجادل لإثبات وجهة نظرنا، ونحترق شوقاً لمن غاب، ونبكي طويلاً على باب من أغلق في وجوهنا. كنا نظن أن التمسك هو القوة، وأن العتاب هو المحبة.
أما اليوم، فقد حلّ "الهدوء" مكان الصخب.
ذلك النضج البارد الذي يجعلك تتجاوز الإساءة ليس ضعفاً، بل لأنك أدركت أن وقتك أثمن من أن تهدره في تبرير ذاتك. أصبحت تنسحب بهدوء من العلاقات التي تؤذيك دون عتاب درامي، وتكتفي بابتسامة باهتة في المواقف التي كانت سابقاً تثير جنونك.
لقد دفعت ثمناً باهظاً لتصل إلى هذه النسخة. دفعت من براءة قلبك، ومن دموع وسادتك، ومن خيبات أملك المتتالية.
الحقيقة القاسية:
أن تكبر يعني أن يقل عدد الأصدقاء حولك، وتكثر الأحاديث مع نفسك. أن تكبر يعني أن تفهم أن "الأبد" كذبة العشاق، وأن "البقاء" للأصدق وليس للأقوى، وفي الغالب.. لا أحد يبقى إلا من رحم ربي.
لكن الجميل في هذا التحول، أنك أصبحت مكتفياً. لم تعد تستمد قيمتك من نظرة الآخرين، ولم تعد تنتظر التصفيق من أحد. صرت تعرف جيداً من أنت، وماذا تريد، والأهم من ذلك.. ماذا لا تريد.
همسة للذات:
لا تحزن على عفويتك التي تلاشت، ولا على ضحكتك العالية التي خفتت. فهذا الوقار الذي يكسوك الآن هو وسام معاركك التي خضتها وحدك وانتصرت فيها بالصمت.
سلامٌ على تلك النسخة القديمة الساذجة منا، ومرحباً بهذه النسخة الصلبة، التي تعلمت كيف تقف وحدها حتى في أعتى العواصف.
تعليقات