ثمة مفهوم خاطئ يسود أحياناً، يصور لنا أن "الانفتاح على الحياة" يعني بالضرورة الصخب، والذوبان التام في الآخرين، وإزالة كل الحواجز والأسوار. وفي المقابل، يُظن أن "التحفظ" يعني الانغلاق، العبوس، واعتزال مباهج الدنيا. ولكن، ألا توجد مساحة خضراء وارفة بين هذا وذاك؟ نعم، يمكنك أن تكون منفتحاً بشغف، ومتحفظاً بوقار في آن واحد. أن تحب الحياة، وتسعى في مناكبها، وتتذوق جماليات الفنون، وتسافر، وتضحك ملء شدقيك، لكنك في الوقت ذاته تملك "مصفاة" دقيقة على باب روحك. هذا النوع من الانفتاح هو "انفتاح النضج" . هو أن تخالط الناس وتُحسن معاشرتهم، لكنك تنتقي بذكاء من تُدخله إلى دائرتك الخاصة المقربة. تمنح الود للجميع، لكنك تمنح "المفاتيح" لقلة نادرة أثبتت الأيام جدارتها. أن تكون منفتحاً بشكل متحفظ يعني: أن تواكب العصر وتستخدم أدواته، لكن دون أن تسمح لها بطمس هويتك أو قيمك الراسخة. أن تكون مرناً كالغصن مع الرياح، لكن جذورك ضاربة في عمق الأرض لا تتزحزح. إنها مهارة "رسم الحدود الأنيقة" . تلك الحدود التي لا تجرح الآخرين، لكنها تخبرهم بلط...
دائماً ما يسحرنا سحر "البدايات". رائحة الدفاتر الجديدة، ضوء الفجر الأول، والصفحة البيضاء التي لم يلمسها حبر بعد. لكننا غالباً ما نقع في فخ انتظار "التوقيت المثالي". ننتظر بداية العام، أو يوم الأحد، أو تلك اللحظة السينمائية التي تتغير فيها الظروف فجأة لصالحنا. والحقيقة؟ التوقيت المثالي كذبة. البداية الحقيقية ليست تاريخاً على التقويم، بل هي قرار ينبع من الداخل. هي تلك اللحظة الفاصلة التي تقول فيها لنفسك: "كفى.. إلى هنا وينتهي هذا الفصل". أن تبدأ من جديد لا يعني أن تمحو ماضيك أو تتنكر لتجاربك. ندوبك هي خرائطك التي تدلك على الطريق، وأخطاؤك هي المعلم الأقسى والأصدق. البداية الجديدة تعني ببساطة أنك قررت ألا تكون أسيراً لما حدث، وأنك تملك الشجاعة لتكتب سيناريو مختلفاً لما سيحدث. قد يكون الأمر مخيفاً. فالألفة، حتى مع الألم، تمنحنا شعوراً زائفاً بالأمان. والخطوة الأولى نحو المجهول تتطلب قلباً جسوراً لا يخشى التعثر. لكن تذكر، لا أحد يصل إلى القمة وهو يحمل حقائب الماضي الثقيلة على ظهره. فن التخطي: لتبدأ، عليك أن تتقن فن "وضع النقطة". ضع نقطة لحديث عقيم...